من حرب ال ١٢ يومًا إلى مظاهرات البازار.. إيران بين الاحتجاج والاختراق وسيناريوهات التفكك
مقال رأي سياسي
عمر الشيخ
1/14/2026


من حرب ال ١٢ يومًا إلى مظاهرات البازار..
إيران بين الاحتجاج والاختراق وسيناريوهات التفكك
لا يمكن فهم موجة الاحتجاجات الراهنة في إيران خارج سياقها الجيوسياسي الأوسع. فهي ليست حدثاً اجتماعياً عابراً ولا انفجاراً مطلبياً محضاً، بل تمثّل انتقال الصراع من المجال العسكري إلى المجال المجتمعي، في ما يشبه تحول أنماط الحرب من المواجهة المباشرة إلى الحرب المركّبة التي تمزج الضغط الاقتصادي، والتأثير النفسي، والاختراق المعلوماتي. حرب الأيام الاثني عشر بين إسرائيل وإيران لم تُنهِ النزاع، بل أعادت توزيعه على جبهة أكثر هشاشة: الداخل الإيراني.
الحرب بوصفها مُضاعِفاً للأزمة البنيوية
أظهرت الحرب القصيرة وظيفة كلاسيكية للأزمات الخارجية: تسريع كشف الاختلالات البنيوية. فالتضخم، وتدهور العملة، وتراجع الثقة في السوق، لم تنشأ بسبب الحرب وحدها، لكنها اكتسبت بعداً انفجارياً بعدها. هنا يصبح الاقتصاد ليس سبباً أولياً للاحتجاج، بل بنية قابلة للاشتعال، حيث تتحول الكلفة الاجتماعية للصراع الخارجي إلى سؤال شرعية داخلي: لماذا يُطلب من المجتمع تحمّل أعباء مواجهة دائمة بلا أفق تحسّن؟
انخراط فئات تقليدية كالتجّار وشرائح مهنية في الاحتجاجات يكتسب دلالة سياسية مضاعفة، لأن هذه الفئات لطالما شكّلت وسيط الاستقرار بين الدولة والمجتمع منذ 1979. عندما يحتجّ “الوسط”، لا يعود الأمر صراع هامش ضد مركز، بل أزمة عقد اجتماعي.
الموساد والحرب النفسية: من التدخل الصلب إلى التأثير الرمزي
القول بغياب دور استخباراتي خارجي في هذه اللحظة يبدو تبسيطًا فجًا. التدخل في السياسة المعاصرة لا يُقاس فقط بوجود عسكري أو دعم تسليحي، بل بما تسميه دراسات الأمن بـ عمليات التأثير (Influence Operations). في هذا الإطار، تأتي الرسائل العلنية المنسوبة إلى الموساد بالفارسية - الداعية إلى استمرار الاحتجاج - بوصفها تدخلاً تحريضياً معنوياً لا يهدف إلى التنظيم الميداني، بل إلى بناء قناعة جمعية بأن النظام فقد تماسكه.
هذا النمط من التدخل أخطر من التدخل العسكري المباشر لأنه يرفع سقف التوقعات الشعبية من دون توفير مظلة حماية، ويحوّل المجتمع إلى طرف مكشوف في مواجهة جهاز دولة يمتلك أدوات قمع واسعة. وكما قال أحد المسؤولين الإسرائيليين في تصريح متداول إعلامياً: “المعركة الحقيقية تُحسم حين ينهار الداخل” وهو تصريح يعكس تصوراً استراتيجياً أكثر مما يقدّم دليلاً عملياتياً.
الخطاب الأميركي و“حماية المتظاهرين”: بين الردع والتهيئة
التصريحات الأميركية المتكررة حول “حماية المتظاهرين” و“عدم استبعاد أي خيار” تنتمي إلى قاموس تدخلي معروف في العلاقات الدولية. هذا الخطاب يؤدي وظيفتين متناقضتين: من جهة، يرفع كلفة القمع على النظام الإيراني عبر التهديد بالعقوبات أو العزلة؛ ومن جهة أخرى، يقدّم للنظام ذريعة مثالية لربط الاحتجاج بالخارج، ما يسهّل تعبئة القاعدة الصلبة حول خطاب السيادة.
ورغم تحذيرات شخصيات أميركية رفيعة من فتح جبهة نزاع جديدة في الشرق الأوسط، لا يمكن استبعاد سيناريو التدخل المحدود الذي يستهدف رأس النظام أو مفاصل قيادية بعينها. هذا السيناريو، إن وقع، لن يكون حرباً شاملة، بل عملية قصيرة ذات أثر سياسي كبير، وهو نمط تدخل شهدناه في تجارب سابقة.
حدود الاحتجاج وإمكانات التفكك
من منظور علم السياسة المقارن، نادراً ما تُسقط الاحتجاجات وحدها أنظمة متماسكة أمنياً. غير أنها تُنتج ما هو أكثر خطورة على المدى المتوسط: تآكل الشرعية، تشقق النخب، وتآكل الامتثال الطوعي. الاحتجاجات الراهنة في إيران تزرع بذور التفكك الداخلي، لكنها - من دون تدخل عسكري مباشر - لن تُسقط النظام على الأرجح.
في المقابل، فإن سيناريو سقوط النظام لا يعني بالضرورة انتقالاً سلساً. تفكك السلطة المركزية في دولة متعددة القوميات والأقاليم بحجم إيران يفتح الباب أمام صراعات أهلية، وتنافس ميليشياوي، وانقسامات قد تقود إلى تفتيت الدولة. هذا السيناريو، الذي لطالما حذّر منه المراقبين، ينسجم مع مصلحة إسرائيل الاستراتيجية في إضعاف الخصم عبر تفكيكه لا عبر احتلاله.
خلاصة القول
تقف إيران اليوم عند مفترق بالغ القسوة. الاحتجاجات، سواء نجحت أو أُخمدت، ستُعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع. إن بقي النظام، فسيبقى أكثر اعتماداً على القمع وأقل تمتعاً بالشرعية وستبقى الأزمة الاقتصادية. وإن سقط، فالأرجح أن البلاد ستدخل مرحلة اضطراب طويلة تبشر بالتفكك وانهيار الدولة والأمن. في الحالتين، يبدو أن الكلفة الأعلى ستقع على المجتمع الإيراني، الذي وجد نفسه مرة أخرى في قلب صراع إقليمي تُدار معاركه بأدوات غير متكافئة، وعلى أرضه قبل أي مكان آخر.


