بين "المسيح" و"جنكيزخان".. كيف يعيد خطاب نتنياهو تأطير أخلاق الحرب وهندسة حدود المقبول؟
مقال رأي سياسي
عمر الشيخ
3/25/2026


بين "المسيح" و"جنكيزخان"..
كيف يعيد خطاب نتنياهو تأطير أخلاق الحرب وهندسة حدود المقبول؟
حين تصبح القوة هي الفضيلة الوحيدة، تتراجع القوانين والأعراف لتفسح المجال لـ "منطق البقاء". في قراءة تحليلية لخطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي الأخير، نفكك كيف استُخدمت الرموز الدينية والمقارنات التاريخية لتعبيد الطريق نحو تصعيد عسكري غير مسبوق، وتحويل "المحرمات" السياسية إلى "ضرورات" استراتيجية.
في يوم الخميس، التاسع عشر من مارس الجاري، ظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطاب متلفز لم يحظ بالتحليل المناسب من قبل المراقبين من وجهة نظري. لم يكن وقوف نتنياهو أمام كاميرات التلفزيون في ذلك اليوم مجرد استعراض إعلامي أو تصريح سياسي عابر في زمن الحرب، بل كان ممارسة واعية لعملية "هندسة وعي" معقدة تستهدف البنية العميقة للرأي العام الغربي. فمن خلال استخدامه لغة إنجليزية مصقولة وحمولة رمزية مستمدة من الميراث الديني والثقافي المشترك، لم يكتفِ نتنياهو بمخاطبة العقل السياسي، بل نفذ إلى المخيال الجمعي للمواطن الغربي العادي. إن جوهر هذه اللحظة الخطابية يكمن في البناء الرمزي المحكم الذي شيده عبر مقارنة فلسفية وتاريخية صادمة بين شخصيتي "يسوع المسيح" و"جنكيز خان"، ليخلص من خلالها إلى نتيجة مفادها أن التاريخ لا يكافئ الأخلاق المجردة بقدر ما يكافئ القوة التي تحمي الوجود، وأن "الخير" الذي يفتقر إلى مخالب لا يمكنه الصمود في وجه "البربرية" التي تهدد أركان الحضارة.
تمثل هذه المقاربة في سياق تحليل الخطاب السياسي مثالاً صارخاً على ما يُعرف بعملية "إعادة التأطير" (Framing)، حيث يتم نقل مركز ثقل النقاش من الحقل الأخلاقي والقانوني إلى حقل الضرورة البيولوجية والوجودية. فبدل أن يظل السؤال المركزي الموجه للجمهور الغربي يدور حول "مشروعية الأفعال عسكرياً وأخلاقياً"، يتم استبداله بسؤال أكثر حدة ووجودية: "هل هذه الأفعال ضرورية للبقاء؟". هذا التحول ليس مجرد تلاعب لغوي، بل هو تغيير جوهري في بنية التفكير السياسي؛ إذ يعمل على تعليق المبادئ الليبرالية التقليدية لصالح ما يسمى الأدبيات السياسية بـ "الاستثناء السيادي" (Sovereign Exception). فباسم الدفاع عن "الذات الحضارية" ضد خطر "بربري" مفترض، يتم تبرير تجاوز القوانين الدولية والأعراف الإنسانية، وتحويلها من ثوابت أخلاقية إلى خيارات ثانوية يمكن التخلي عنها عند استشعار الخطر الوجودي.
وعلى هذا النحو، يسعى الخطاب إلى تحريك ما يُعرف بـ "نافذة أوفيرتون " (Overton Window)، وهي المساحة التي تحدد الأفكار المقبولة والمنطقية لدى الجمهور. فمن خلال تصوير الصراع كصدام حتمي بين قيم "المسيح" الروحية وسيف "جنكيز خان" المدمر، يتم تمهيد الطريق لما يمكن تسميته بـ "تطبيع العنف المفرط". إن استدعاء الرموز الدينية هنا ليس بريئاً؛ فهو يهدف إلى وضع المشاهد الغربي أمام مقايضة صفرية: إما التمسك بأخلاق "العجز" التي قد تؤدي للفناء، أو تبني منطق "القوة الوحشية" كشرط وحيد لاستمرار الحياة. وفي هذه العملية، يتم "تفكيك القيود الأخلاقية" تدريجياً، بحيث لا تُرفض الأخلاق صراحة، بل تُعاد صياغتها لتصبح القوة هي الفضيلة الأسمى، والبطش هو الوسيلة الوحيدة لصون القيم في عالم لا يعترف إلا بالمنتصرين.
هندسة "حدود المقبول"
من الناحية الاستراتيجية، يمكن قراءة هذا الخطاب بوصفه "قذيفة تمهيدية" لقرارات تصعيدية محتملة قد تتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية، لا سيما في المواجهة المفتوحة مع إيران. فحين يُعاد تعريف الحرب بوصفها صراعاً بين "الحضارة والبربرية"، فإن ذلك يشرعن استهداف البنى التحتية الحيوية ومرافق الطاقة، والمنشآت النووية بل وربما أمر أفظع من ذلك كضربة نووية أو هايدروجينية، تحت ستار "الضرورة القهرية". إن التاريخ السياسي يقدم شواهد عديدة على أن الكلمات غالباً ما تسبق الأفعال الكبرى؛ فكما بررت الولايات المتحدة استخدام القنبلة الذرية في هيروشيما بخطاب "إنقاذ الأرواح"، وكما مهدت إدارة بوش لغزو العراق عبر خطاب "محور الشر"، يأتي خطاب نتنياهو اليوم ليخلق البيئة النفسية والسياسية التي تتقبل ما كان مرفوضاً سابقاً، مفسحاً المجال أمام "توسيع حدود المقبول" عسكرياً وأخلاقياً.
تُعلمنا دراسة الخطاب السياسي في حقل العلوم السياسية أنه لا ينبغي النظر إلى خطاب نتنياهو بوصفه زلة لسان أو محاولة مقارنة رمزية غير موفقة، بل كجزء من استراتيجية أوسع لإعادة تعريف مفهوم "الحرب المشروعة" في الوعي الغربي. إن خطورة هذه اللحظة تكمن في محاولة تحويل القيم الإنسانية والليبرالية وحقوق الإنسان من مرجعيات ثابتة ومسلم بها إلى أدوات وظيفية يمكن تجاوزها عند الحاجة. إنها لحظة خطابية مفصلية، حيث يجري بناء الأرضية الفكرية لتقبّل السيناريوهات الأكثر تطرفاً، وتمنح الشرعية لواقع جديد تُقاس فيه الأخلاق بمقدار ما تملكه من قوة، وتُشرع فيه الأفعال ليس بعدالتها، بل بضرورتها لضمان البقاء في عالم يُعاد رسم حدوده بالحديد والنار.


